محمد عبد الله دراز

260

دستور الأخلاق في القرآن

ويرفع إلى درجة المصطفين الأخيار ، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى « 1 » . والفطرة الإنسانية ليست على خلاف ذلك ، بصفة عامة ، حتّى إنّ القرآن يصفها فيقول : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ « 2 » . وإنّ القرآن ليصور لنا أخذ البريء بالمذنب ، لا على أنّه مضاد للشريعة فحسب ، بل هو كذلك غير متوافق مع الفكرة الأساسية للعدالة الإنسانية : قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ « 3 » . ومع ذلك فإنّ في الكتاب حالتين يبدو أنّهما قد خرجتا على مبدأ المسؤولية الفردية ، فقد قيل - من جانب - عن بعض المذنبين : إنّهم : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ « 4 » . وقيل من جانب آخر : إنّ ذريّات المؤمنين سوف يعاملون كما يعامل أجدادهم ، بشرط أن يكونوا مؤمنين ، وذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ « 5 » . وإذن فلن يكون الثّواب والعقاب تبعا للجهد الفردي فحسب ، بل قد ينشأ كذلك من عمل الآخرين . ولا شك أنّ هذين المثالين جديران في نظرنا بالدراسة ، حتّى نرى إلى أي مدى يمكن أن يضعفا أو يدعما المبدأ العام . وأوّل ما نبدأ به أن نزيح فكرة معينة ، هي أنّه ليست المسألة هنا مسألة تحويل

--> ( 1 ) طه : 122 . ( 2 ) التّين : 4 - 6 . ( 3 ) يوسف : 79 . ( 4 ) العنكبوت : 13 . ( 5 ) الطّور : 21 .